سيد محمد طنطاوي

523

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة ، فداوم على شكرك لنا ، بأن تواظب على أداء الصلاة أداء تاما ، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك ، وبأن تواظب - أيضا - على نحرك الإبل تقربا إلى ربك . كما قال - سبحانه - قُلْ إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَه ، وبِذلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ . ثم بشره - سبحانه - ببشارة أخرى فقال : * ( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) * والشانئ : هو المبغض لغيره ، يقال : شنأ فلان شنئا ، إذا أبغضه وكرهه . والأبتر في الأصل : هو الحيوان المقطوع الذنب ، والمراد به هنا : الإنسان الذي لا يبقى له ذكر . ولا يدوم له أثر . . . شبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان ، لأنه تابع له وهو زينته ، وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذيل وقطعه . والمعنى : إن مبغضك وكارهك - أيها الرسول الكريم - هو المقطوع عن كل خير ، والمحروم من كل ذكر حسن . قال الإمام ابن كثير : « كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له ، فإذا هلك انقطع ذكره ، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه السورة . وقال السدى : كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا : بتر ، فلما مات أبناء النبي صلى اللَّه عليه وسلم قالوا : بتر محمد فأنزل اللَّه هذه الآية . وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره ، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره ، وحاشا وكلا ، بل أبقى اللَّه ذكره على رؤس الأشهاد ، وأوجب شرعه على رقاب العباد ، مستمرا على دوام الآباد ، إلى يوم الحشر والمعاد ، صلوات اللَّه وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد . . . نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .